ابن العربي

636

أحكام القرآن

الآية التاسعة عشرة - قوله تعالى « 1 » : قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ ، وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ . فيها مسألتان : المسألة الأولى - نهى اللّه سبحانه أهل الكتاب عن الغلوّ « 2 » في الدّين من طريقيه : في التوحيد ، وفي العمل ؛ فغلوّهم في التوحيد نسبتهم له الولد سبحانه ، وغلوّهم في العمل ما ابتدعوه من الرّهبانية في التحليل والتحريم والعبادة والتكليف . وقال صلى اللّه عليه وسلم « 3 » : لتركبنّ سنن « 4 » من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع ، حتى لو دخلوا جحر ضبّ خرب لدخلتموه . وهذا صحيح لا كلام فيه ، وقد ثبت في الصحاح أنّ النبىّ صلى اللّه عليه وسلم سمع امرأة من الليل تصلى ، فقال : من هذه ؟ قيل « 5 » : الحولاء بنت تويت لا تنام الليل كلّه . فكره ذلك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتى عرفت الكراهية في وجهه ، وقال : إنّ اللّه لا يملّ حتى تملّوا ، اكلفوا من العمل ما تطيقون . وروى فيه أيضا أنه قال : إن هذا الدين متين فأوغل « 6 » فيه برفق فإنّ المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى « 7 » . المسألة الثانية - لما أخبر النبىّ صلى اللّه عليه وسلم بأنا نتبع من قبلنا في سننه ، وكانت الكفرة قد شبّهت اللّه سبحانه بالخلق في الولد ، وشبّهت هذه الأمة الباري تعالى بالخلق في مصائب قد بيّناها في الأصول لا نقصر في الباطل عن الولد ، وغلت طائفة في العمل حتى ترهّبت وتركت النكاح ، وواظبت على الصوم ، وتركت الطيبات ، وقد قال صلى اللّه عليه وسلم : من رغب عن سنّتى فليس منّى . وسنكشف ذلك في موضعه هاهنا بالاختصار ؛

--> ( 1 ) الآية السابعة والسبعون . ( 2 ) الغلو : مجاوزة الحد ، والإفراط . ( 3 ) صحيح مسلم 2054 ، وفيه لتتبعن . ( 4 ) السنن : الطريقة كالسنة . ( 5 ) الإصابة : 4 - 270 ( 6 ) الإيغال : السير الشديد . يريد سر فيه برفق وأبلغ الغاية القصوى منه بالرفق لا على سبيل التهافت والخرق ، ولا تحمل على نفسك وتكلفها ، ما لا تطيق فتعجز وتترك الدين والعمل . ( 7 ) المنبت : يقال للرجل إذا انقطع به سفره وعطبت راحلته : قد أنبت . والظهر : الإبل التي يحمل عليها وتركب ( النهاية ) .